22 أغسطس 2025
برز قطاع الفضاء الأوروبي، بعد تجديده واستعادة نشاطه، كوجهة استثمارية جذابة. وقد ظلت الولايات المتحدة على مدى عقدين من الزمن هي المهيمنة على سوق إطلاق الرحلات التجارية والأقمار الصناعية إلى الفضاء، مما ساهم في جعلها وجهة جاذبةً للمواهب ورؤوس الأموال العالمية. لكن مع نضج منظومة الفضاء الأمريكية الخاصة - وتزايد التساؤلات حول الأمن الأوروبي - بدأت السماوات الأوروبية تتفتح أمام جيل جديد من المؤسسين.
بالفعل لاحظ المستثمرون هذا التحول. إذ ارتفع مؤشر ستوكس أوروبا للفضاء والدفاع (STOXX Europe Aerospace & Defense Index) بأكثر من 50% هذا العام، مدعومًا بمبادرات فضائية جديدة من الاتحاد الأوروبي مثل آيريس "IRIS" (البنية الأساسية للمرونة والترابط والأمن عبر الأقمار الصناعية) بالإضافة إلى الدفع المتزايد نحو الاستقلال الاستراتيجي.[1],[2] بالنسبة لصانعي السياسات والمستثمرين على حد سواء، تُعد طموحات الفضاء الأوروبية أولوية استراتيجية.
يمكن لرأس المال البديل، بما في ذلك التمويل المدعوم بالأسهم، أن يلعب دورًا داعمًا في سباق الفضاء الأوروبي، مما يوفر إمكانية الوصول إلى تمويل مرن للمستثمرين ورواد الأعمال في صناعة تشتهر بكثافة رأس المال.
ترسيخ مكانة مميزة
يشهد قطاع الشركات الناشئة في أوروبا نموًا ملحوظًا في مجال مركبات الإطلاق، وأقمار رصد الأرض، وخدمات المدار، حيث يُعد عام 2024 من أكثر الأعوام نشاطًا على الإطلاق.[3] ورغم أن أوروبا لا تزال متأخرة عن ركب الولايات المتحدة في هذا الجانب، إلا أن الفجوة الحالية قد تعني انخفاضًا في مستوى التشبع ومساحة أكبر للتميز.
جمعت شركة إيسار إيروسبيس "Isar Aerospace"، وهي الشركة الناشئة الأكثر تمويلًا في مجال الفضاء على مستوى ألمانيا، أكثر من 550 مليون يورو وحصلت على عقود تجارية متعددة. وفي مجال رصد الأرض، تزيد شركة آيس آي "ICEYE" الفنلندية من تواجدها في محل الصدارة عالميًا في مجال الأقمار الصناعية التي تجمع الصور ليلًا ونهارًا، بينما تُركز شركة إكسوتريل "Exotrail" الفرنسية على أنظمة الدفع المدارية للأقمار الصناعية الصغيرة، التي تتزايد أعدادها بشكل كبير.[4],[5]
ربما لا تكون الميزة النسبية لصالح أوروبا حين يتعلق الأمر بالصواريخ العملاقة، لكن ميزتها تكمن في إنتاج تقنيات متخصصة لسوق متوسطة الحجم سريعة النمو تستوعب ذلك الإنتاج – تلك التقنيات تتعلق بأمور مثل تحليلات المناخ وتخفيف الحطام الفضائي - وتخدم في الغالب عملاء تجاريين.
لقد حان الوقت الآن لقطاع تكنولوجيا الفضاء في أوروبا لتوسيع مداه. إذ يمكن للمؤسسين الاستفادة من التمويل المدعوم بالأسهم لإطلاق العنان لرأس المال النامي دون تخفيف، مما يكمل تدفقات رأس المال الاستثماري المتزايدة.
احتواء رأس المال الخاص
كانت أوروبا تسيطر في السابق على أكثر من 50% من سوق الإطلاق الثابت بالنسبة للأرض من خلال شركة أريان سبيس "Arianespace"، التي تعد أول مزود لخدمات الإطلاق التجاري في العالم. لكن صعود سبيس إكس "SpaceX" وصاروخها فالكون 9 القابل لإعادة الاستخدام نحّى أوروبا جانبًا.[6] ومنذ ذلك الحين، ظل برنامج أريان سبيس "أريان 6" يعاني من التأخير وتجاوز التكاليف - وهو ما يمثل إشارة إلى وجود مشاكل هيكلية أعمق.[7]
الأكيد أن أوروبا تبنت المشاركة الخاصة قبل الولايات المتحدة – فأريان سبيس هي مشروع مشترك بين شركتي إيرباص "Airbus" وسافران "Safran" - لكن المتطلبات البيروقراطية تميل إلى تفضيل الشركات القائمة. وقد أدى مبدأ "العائد الجغرافي" التابع لوكالة الفضاء الأوروبية (ESA)، والذي يُخصص العقود بناءً على مساهمة الدول الأعضاء بدلاً من تطبيق معيار الجدارة، أدى إلى خنق الابتكار. أضف إلى ذلك عدم وجود صندوق مخصص لأمور الفضاء تابع للاتحاد الأوروبي ولا سوق موحدة لخدمات الفضاء، لذلك، لا عجب أن الشركات الناشئة في مجال الفضاء لم تكن واثقة من توسيع نطاق أعمالها لمنافسة أريان سبيس.[8]
قد يحمل قطاع الفضاء الأوروبي الواعد – متمثلاً في خدمات البيانات من الأقمار الصناعية الموجودة بالفعل في المدار - آمالًا أكبر. إذ يشهد الطلب على أنظمة الإطلاق الأرضي ارتفاعًا حادًا مدفوعًا بمقومات رصد البيئة والمساعدة في الزراعة الدقيقة والاستخبارات الدفاعية والاستجابة في حالات الكوارث. وتمثل الشركات الأوروبية بالفعل ما يقرب من 20% من عائدات أنظمة الإطلاق الأرضي العالمية.[9]
كان غزو روسيا لأوكرانيا بمثابة نقطة تحول. فقد سلّط ذلك الغزو الضوء على قيمة بيانات الأقمار الصناعية التجارية في تأمين الاتصالات ورسم خرائط مناطق النزاع آنيًا.[10] لكنه أبان أيضًا نقاط الضعف الأوروبية: إذ أبرز توقف تبادل المعلومات الاستخباراتية الأمريكية والتهديدات بتقييد الوصول إلى شبكة ستارلينك كيف يمكن استخدام البنية الأساسية الفضائية كسلاح - حتى من قبل الحلفاء.
ردًا على ذلك، تؤدي برامج مثل آيريس "IRIS²"، إلى جانب اعتراف وكالة الفضاء الأوروبية والمفوضية الأوروبية بضرورة التخلي عن النماذج القديمة، إلى إيجاد تعاون أكبر مع الجهات الفاعلة من القطاع الخاص.[11],[12] وعلى عكس وكالة ناسا، التي تعتمد على الاستعانة بمصادر خارجية على نطاق واسع، كانت وكالة الفضاء الأوروبية وعلى مدار تاريخها تعطي أولوية لمبدأ "السيادة على عمليات الإطلاق"، حيث تبقى معظم المشاريع تحت سيطرة القطاع العام.[13]
هذا النهج لم يعد فعالًا في سوق تُعرف بالسرعة وإمكانية إعادة الاستخدام. ولذلك أقدمت فرنسا وألمانيا خلال عام 2023 على طرح عقود منصات الإطلاق الصغيرة أمام المناقصات التنافسية، مما جعل الشركات الخاصة جزءًا من سلسلة التوريد.[14]
القوى السوقية
يُتوقع أن يبلغ اقتصاد القطاع الفضائي العالمي إلى 1.6 تريليون يورو بحلول عام 2035،[15] ويمكن لأوروبا الحصول على حصة أكبر، سواءً في قطاع الإطلاق أو في قطاع الخدمات الفضائية اللاحقة. ومن خلال انفتاح اقتصاد الفضاء الأوروبي على القوى السوقية سيكون الاستثمار في شركات الفضاء الأوروبية الناشئة أقل صعوبة وتحديًا.
من العوامل المساعدة ارتفاع حضور الشركات الأمريكية المماثلة رغم طريقها الطويل نحو الربحية - حيث أُسند إلى شركة روكيت لابس "Rocket Labs"، وهي المنافس الرئيسي لشركة سبيس إكس، عدد من العقود الدفاعية بهدف تنويع قاعدة توريد الصواريخ متوسطة الرفع.[16] وقد تأثر سعر سهم الشركة الناشئة، التي كانت تحقق خسائر، ارتفاعًا بأكثر من 800% خلال العام الماضي.[17]
لا يزال تمويل المشاريع الطموحة يُمثل تحديًا في ظل السياسات المتغيرة والمنافسة الشرسة والقيود على المواهب. ويوفر التمويل المدعوم بالأسهم حلاً عمليًا للمؤسسين والمستثمرين لتحرير السيولة من ممتلكاتهم الشخصية لإعادة استثمارها في النمو دون خفض قيمة الأسهم. وباقتران ذلك مع تزايد تدفقات رأس المال الاستثماري، ربما تتعزز آفاق الطموح الأوروبي في ذلك السباق الذي يُمثل فيه التوقيت العامل الأهم.
وتظل نافذة انطلاق تكنولوجيا الفضاء الأوروبية مفتوحة - في الوقت الحالي.
[1] https://stoxx.com/index/sxgraro
[2] https://www.ft.com/content/8e75ed31-0c72-4160-b406-1ca6aa36a84f
[3] https://dealroom.co/guides/space-tech-europe
[4] https://www.bloomberg.com/news/articles/2025-06-23/military-satellite-maker-iceye-explores-ipo-as-sales-on-track-to-double
[5] https://sifted.eu/articles/exotrail-raise-spacex-musk-satellites-news
[6] https://tomorrowsaffairs.com/europes-space-competitiveness-falls-into-a-black-hole
[7] https://interestingengineering.com/beyond-earth/opinion-europes-space-sector-10-years
[8] https://www.ft.com/content/f0ca3593-d4ed-4cd5-9f61-ef0219869c28
[9] https://defence-industry-space.ec.europa.eu/document/download/f9f09eb2-6f58-412f-ae1d-64cd06160e2d_en
[10] https://www.oecd.org/en/publications/how-the-war-in-ukraine-is-affecting-space-activities_ab27ba94-en.html
[11] https://www.esa.int/About_Us/Corporate_news/ESA_and_the_EU_agree_to_accelerate_the_use_of_space
[12] https://www.reuters.com/technology/space/european-space-chief-says-europe-must-be-able-compete-globally-2024-10-18
[13] https://www.ft.com/content/77d78040-0bbb-45ee-9a11-1a5644aeaf1f
[14] https://www.lemonde.fr/en/economy/article/2024/07/09/europe-is-looking-for-its-place-in-space_6679186_19.html
[15] https://defence-industry-space.ec.europa.eu/document/download/f9f09eb2-6f58-412f-ae1d-64cd06160e2d_en
[16] https://www.reuters.com/business/aerospace-defense/trumps-golden-dome-looks-alternatives-musks-spacex-2025-07-22
[17] https://www.investing.com/news/analyst-ratings/rocket-lab-stock-rating-reiterated-by-cantor-fitzgerald-ahead-of-iqps-mission-93CH-4168304
