“التكنولوجيا المتقدمة للتبريد” تشعل اهتمام الشرق الأوسط.

15 أغسطس 2025

بحلول عام 2030، سيواجه نصف مليار شخص حول العالم موجات حر شديد لمدة شهر على الأقل سنوياً.[1] ويُعدّ الشرق الأوسط من أكثر المناطق عرضة لهذه الظاهرة؛ فمن المتوقع أن تشهد دبي أكثر من 80 يوماً من الحرارة المفرطة سنوياً، حيث إن مجرد البقاء أقل من 15 دقيقة في الهواء الطلق قد يشكل خطراً على صحة البالغين الأصحاء، حتى تحت الظل.

بحلول عام 2050، من المتوقع أن يتضاعف عدد سكان منطقة الشرق الأوسط، مما سيعرّض ملايين آخرين لمخاطر ارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه وانعدام الأمن الغذائي.[2] وهنا، تشتد حرارة المنافسة على رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا المناخية، حرفياً ومجازياً.

ومع ذلك، كان عام 2025 من أصعب الأعوام على هذا القطاع. فعلى الصعيد العالمي، لطالما تفوقت صفقات التكنولوجيا المناخية الناشئة تاريخياً على رأس المال المغامر الأوسع، لكن الحماس تجاهها بدأ في الفتور. في الأشهر الخمسة الأولى من عام 2025، لم تتجاوز استثمارات الشركات الناشئة المستدامة 8.7 مليار دولار أمريكي، أي أقل من نصف المبلغ الذي تم استقطابه في الفترة المماثلة من العام السابق.[3][4]

ولم تكن منطقة الشرق الأوسط بمنأى عن هذا التراجع، حيث تقلصت الاستثمارات في شركات التكنولوجيا المناخية الناشئة من 193 مليون دولار أمريكي عام 2023 إلى 114 مليون دولار أمريكي في عام 2024.[5]

التزمت صناديق الثروة السيادية مثل "CYVN" في أبوظبي و"صندوق الاستثمارات العامة" السعودي و"جهاز قطر للاستثمار" بضخ مليارات الدولارات في شركات صناعة السيارات الكهربائية ومشاريع الطاقة النظيفة عالمياً، إلا أنها أبدت تردداً في دعم الشركات الناشئة المحلية.[6] وبالنسبة لرواد الأعمال الطامحين للنمو، تُعدّ فجوة التمويل هذه عائقاً كبيراً.[7]

في ظلّ توافر مسرّعات الأعمال وصناديق الاستثمار في المراحل الأولى، يظل أمام رواد الأعمال خيار البحث عن تمويل خارج إطار التمويل التقليدي. ويمكن للتمويل الائتماني البديل، ومنه التمويل المضمون بالأسهم، أن يؤمن لهم السيولة الضرورية لمتابعة مشاريعهم التقنية الواعدة مع الحفاظ على كامل حقوق الملكية.

الماء والتبريد وإزالة الكربون: المحاور الثلاثة لحلول التبريد المتقدمة

الخبر السار هو أن موجة جديدة من الشركات الناشئة قد برزت، بفضل حلولها المبتكرة بدءاً من أنظمة المياه التي تعمل بالطاقة الشمسية وصولاً إلى أنظمة التبريد السلبية، لمساعدة المنطقة على تحقيق أهدافها الطموحة للحياد الكربوني وجعلها مكاناً أكثر ملاءمةً للعيش.

تُجسّد مدينة مصدر في أبوظبي الإمكانات الكبيرة للمنطقة. فهذه المدينة، التي كانت فكرة لإنشاء أول مدينة من دون انبعاثات كربونية، أصبحت اليوم موطناً لأكثر من ألف شركة وحققت بحلول عام 2024 نتائج مذهلة؛ إذ خفّضت النفايات بنسبة 57%، واستهلاك الكهرباء بنسبة 31%، واستهلاك المياه بنسبة 18% مقارنةً بالمتوسطات المعتمدة في أبوظبي.[8]

تُشيّد المباني في المدينة من إسمنت قليل الانبعاثات وألمنيوم معاد تدويره بنسبة 90%، وهو ما يقلل من استهلاك الطاقة والمياه بنسبة لا تقل عن 40% مقارنة بالمنشآت العادية.[9]

يستأثر التبريد بما يصل إلى 70% من إجمالي استهلاك الكهرباء خلال فترات الذروة في دول الخليج، ومن المتوقع أن تزداد هذه النسبة مع تزايد النمو الحضري.[10] هذا وتتصاعد وتيرة اعتماد أنظمة تبريد المناطق - التي تعتمد على محطات مركزية لتوزيع المياه المبردة عبر شبكة من الأنابيب المعزولة - كحلٍ بديل وفعّال لمكيفات الهواء التي تستهلك طاقة هائلة، وتستقطب هذه الأنظمة اهتماماً استثمارياً كبيراً من رؤوس الأموال الخاصة.[11]

يُمثّل الماء تحدياً آخر؛ فدولة الإمارات لا تحصل إلا على 4% من مواردها المائية من المصادر السطحية والجوفية. وتتراوح الحلول الرائدة لتعزيز الأمن المائي بين "تقنية تلقيح السحب" بالنانو، التي تزيد إنتاج المياه بثلاثة أضعاف عن الوسائل التقليدية، والمزارع العمودية التي تحقق عائداً أكبر بـ 20 مرة مع استهلاك مياه أقل بنسبة 90%.[12]

على صعيد متصل، تنشر شركات ناشئة مثل "كومولوس ووتر" (Kumulus Water)  التونسية أجهزة لتوليد المياه من الغلاف الجوي، تستخرج مياه الشرب من رطوبة الهواء .ويُعتبر هذا الحل واحداً من عدة حلول ستزداد أهميتها عالمياً، بالنظر إلى أن اليونيسف تتوقع أن يواجه نصف سكان العالم ضغطاً على الموارد المائية بحلول عام 2030.[13][14]

تُبرهن هذه النماذج على الدور الحيوي للمنطقة في تجربة وتطوير التقنيات التي باتت ضرورية للعالم أجمع.

تتدخل الحكومات أيضاً من خلال سنّ القوانين وتقديم الحوافز .وفي هذا السياق، دخل المرسوم بقانون اتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة بشأن الحد من آثار تغير المناخ حيز التنفيذ في يونيو، ليفرض إجراءات امتثال صارمة. يُلزم القانون الشركات الحكومية والخاصة - بما في ذلك تلك الموجودة في المناطق الحرة - بقياس انبعاثاتها والإبلاغ عنها والاحتفاظ بسجلاتها لمدة خمس سنوات، ومن المتوقع أن يؤدي عدم الامتثال إلى فرض عقوبات كبيرة. صُمّم القانون لتسريع إزالة الكربون، وتعزيز المساءلة، ودفع الشركات نحو الاستثمار في تقنيات التخفيف والبحث والتطوير.[15]

ومع ذلك، يبقى تحويل الإمكانات إلى مشاريع تجارية ناجحة مهمة صعبة. فابتكارات التكنولوجيا المناخية غالباً ما تتطلب فترات تطوير طويلة، وتكثيفاً رأسمالياً كبيراً، وتتسم بديناميكيات سوق غير مستقرة، مما يجعل من الصعب جذب المستثمرين الراغبين في تحمل مخاطر المراحل المبكرة. قد تكون الشراكات مع الشركات الكبرى — والتي غالباً ما ترتبط بالدولة — بطيئة، مما يؤخّر تنفيذ المشاريع التجريبية التي تحتاجها الشركات الناشئة للتوسع. وعند إضافة نقص الكفاءات، وتعقيد اللوائح التنظيمية، وتجزئة السوق الإقليمية، تظلّ العقبات أمام النمو كبيرة.[16]

وبالتالي، فإن ضمان استمرارية التدفق النقدي يُعدّ بالنسبة للكثيرين أمراً بالغ الأهمية، لا يقل شأناً عن أهمية التكنولوجيا نفسها.

ومع كل هذه العقبات، فإن مقومات النمو لا تزال متينة. التمويل موجود، لكن الحصول عليه يتطلب من المؤسسين تحلياً بالمرونة. ويُعد التمويل المضمون بالأسهم حلاً لسد الفجوة التمويلية، مما يمنح المبتكرين القدرة على مواصلة العمل دون توقف ريثما تبدأ دورة التمويل المخاطر المقبلة.

في ظلّ سعي العالم الحثيث لإزالة الكربون، ستكون الميزة التنافسية للجهات القادرة على تطوير تقنيات المياه والتبريد والحد من الانبعاثات الكربونية على نطاق واسع. وبفضل التمويل المناسب، يمكن أن يغدو الشرق الأوسط منطلقاً نموذجياً للحلول اللازمة لاقتصاد عالمي يتجه نحو بيئة أكثر حرارة وشحاً في الموارد.


[1] https://www.washingtonpost.com/climate-environment/interactive/2023/pakistan-extreme-heat-health-impacts-death

[2] https://www.worldbank.org/en/events/2021/09/22/mena-cities-at-the-forefront-of-climate-action-the-time-is-now

[3] https://news.crunchbase.com/clean-tech-and-energy/sustainability-funding-falling-2025

[4] https://www.svb.com/trends-insights/reports/future-of-climate-tech

[5] https://www.pwc.com/m1/en/publications/2024-middle-east-climate-tech-report.html

[6] https://www.pwc.com/m1/en/media-centre/articles/how-middle-easts-swfs-are-driving-the-energy-transition-and-sustainability.html

[7] https://www.fastcompany.com/91159727/climate-tech-investment-middle-east

[8] https://www.ribaj.com/buildings/masdar-city-sustainability-net-zero-carbon

[9] https://masdarcity.ae/docs/default-source/pdf-to-download/masdar-city-brochure-en-2022.pdf

[10] https://www.ft.com/content/d5a5bc1f-e225-4397-b99f-56c62b00366d

[11] https://www.reuters.com/business/energy/cvc-tabreed-enter-partnership-buy-uae-district-cooling-business-2025-06-30

[12] https://hbr.org/sponsored/2022/04/how-the-uaes-water-innovations-are-helping-to-build-a-more-sustainable-future

[13] https://www.wamda.com/2025/06/tunisia-kumulus-water-closes-3-5-million-seed-round

[14]  https://www.thenationalnews.com/business/2025/03/02/tunisian-start-up-kumulus-plots-gulf-expansion-with-machines-that-create-water-from-air

[15] https://www.skadden.com/insights/publications/2025/06/esg-in-2025-a-midyear-review#theuae

[16] https://www.kearney.com/service/sustainability/article/building-on-progress